عمان ـ شاكر الجوهري:
تعرضت حركة "حماس" لضغوط مصرية شديدة قابلة للتصعيد في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وفقا لمصادر فلسطينية وثيقة الإطلاع، وذلك على خلفية امتناع حركة المقاومة الإسلامية عن التوقيع على الورقة المصرية، فيما حصل "المستقبل العربي" على تقرير شامل يحدد طبيعة التعديلات الي اجرتها الجهات المصرية على الورقة من وراء ظهر حركة "حماس".
التقارير المتداولة في الوقت الراهن تؤكد اعتزام القاهرة تحريك وفد أمني لكل من رام الله ودمشق، من أجل بحث كيفية تحقيق توافق بين السلطة و"حماس" على الورقة المصرية، ما يستدعي فتح الورقة، والحوار بشأنها مجددا، بعد أن كان عمر سليمان مدير المخابرات المصرية قرر أن هذه الورقة للتوقيع، وليس للحوار..!
سليمان كان رفض استقبال وفد من "حماس" اعتزم زيارة القاهرة وشرح وجهة نظر حركة المقاومة الإسلامية من التعديلات التي اجريت على النص الذي سبق التوافق عليه، وترافق ذلك مع ممارسة ضغوط مصرية شديدة على "حماس" في الضفة الغربية وقطاع غزة.
تفصل المصادر أنه في قطاع غزة، تم تشديد اجراءات فتح وإغلاق معبر رفح على عامة الناس، وخاصة على "حماس" ورموزها.
وقد تمثل التشديد في تعطيل السماح لحجاج القطاع لمدة يومين عن السفر إلى الديار المقدسة عبر الأراضي المصرية، ثم عادوا وسمحوا بمغادرة الحجاج، بمن فيهم قيادات من حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي، مثل محمد الهندي (الجهاد)، واسماعيل الأشقر (حماس).
إلى ذلك، فإن السلطات المصرية لم تسمح لعدد من قادة "حماس" بالسفر عبر الأراضي المصرية من غزة إلى دمشق، وذلك قبل اسبوعين، وكان من بين الذين منعوا من السفر النائب خليل الحية، الذي كان يعتزم المشاركة في اجتماعات تنظيمية لحركته في العاصمة السورية.
أما في الضفة، فقد عقد لقاء بين ممثل المخابرات العامة المصرية وعدد من قيادات "حماس"، من بينهم عمر عبد الرازق، حيث تم ابلاغهم وجود غضب مصري جراء امتناع حركة المقاومة الإسلامية عن التوقيع على الورقة المصرية، وأن عليهم توقع أن تزداد ظروف الحركة صعوبة في الضفة والقطاع، إن لم توقع على الورقة، وإذا تأخرت المصالحة الفلسطينية.
لجنة حمساوية لدراسة الورقة المصرية
وكانت "حماس" شكلت لجنة لدراسة الورقة المصرية، ومقارنتها بما تم التوصل إليه في جلسات الحوار الست التي عقدت مع وفد "فتح" والسلطة، ومع ما تم التوصل إليه في جلسات الحوار الشامل، وكذلك في اللقاءات مع عمر سليمان مدير المخابرات المصرية، حيث تبين حدوث ثلاثة أشكال من التعديلات:
الأول: حذف نقاط تم التوافق عليها.
الثاني: اضافة نقاط أو عبارات لم يتم التوافق عليها.
الثالث: صياغة بنود وقضايا بشكل مخالف لما تم التوافق عليه، بحيث تم اخراج النصوص عن المعاني المطلوبة.
ووضعت اللجنة نوعان من الملاحظات، جوهرية، وغير جوهرية، حيث تم التمسك بالملاحظات الجوهرية، وغض النظر قدر الإمكان عن الملاحظات غير الجوهرية. ويبلغ عدد الملاحظات في مجملها 31 ملاحظة.
في سياق التصعيد، أصدر محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، مرسوم اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في الرابع والعشرين من كانون ثاني/يناير المقبل، فكلفت "حماس" جهات الإختصاص لديها بدراسة كل الخيارات والسيناريوهات التي يمكن اللجوء إليها في إطار التعامل مع الإنتخابات في حال إصرار عباس على اجرائها دون توافق وطني.
وقد خلصت الحركة إلى الخيارات التالية:
أولا: مقاطعة الإنتخابات، مع السماح بإجرائها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ثانيا: مقاطعة الإنتخابات في الضفة، ومنع اجرائها في قطاع غزة.
ثالثا: اجراء انتخابات متزامنة في الضفة والقطاع، تنفذ فعليا فقط في القطاع، لانتخاب رئيس للسلطة، ومجلس تشريعي، ومجلس وطني، وذلك باعتبار أن عباس لا يملك الشرعية لإجراء الإنتخابات منفردا، لانتهاء ولايته منذ التاسع من كانون ثاني/يناير الماضي، في حين أن حركة "حماس" تحظى بأغلبية المجلس التشريعي.
نصوص لمنع إعادة تشكيل المجلس الوطني
ولكن، ماذا عن الملاحظات التي سجلت على الورقة المصرية المعدلة، خارج نطاق التوافق الوطني الفلسطيني..؟
يمكن ملاحظة جملة من التعديلات التي أجريت على الورقة تهدف اساسا إلى:
أولا: تعطيل انتخاب مجلس وطني فلسطيني جديد، وذلك لغاية ابقاء هيمنة عباس على منظمة التحرير الفلسطينية، التي يتم التعامل على أساس أنها تمثل المرجعية السياسية والتشريعية والقانونية للسلطة.
ثانيا: ابقاء وتعزيز هيمنة عباس على الأجهزة الأمنية.
ثالثا: نزع الشرعية عن الأذرع المقاومة للفصائل الفلسطينية.
فيما يتعلق بتعطيل انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، تم اجراء جملة تعديلات، منها:
1. شطب كلمة (لتشكيل) من إحدى الفقرات، لتصبح "وضع الأسس والآليات المجلس الوطني الفلسطيني"، حيث أسقطت كلمة "لتشكيل" من بعد كلمة "الآليات"، بهدف أن يصبح النص يعني عقد المجلس الوطني بتشكيلته الراهنة، كما تريد ذلك قيادة "فتح".
2. تم شطب "وإنتخابات المجلس الوطني الفلسطيني" من ذيل الفقرة التي تقول "تهيئة الأجواء اللازمة لتسهيل وإنجاح الإنتخابات الرئاسية والتشريعية".
3. وتم استبدال كلمة "موعدها"، بكلمة "مواعيدها" في فقرة نصها "توفير الضمانات اللازمة لإجراء وإنجاح الانتخابات في موعدها"، وذلك بهدف تكريس عملية الفصل الزمني بين الإنتخابات الرئاسية والتشريعية، وانتخابات المجلس الوطني"..!
4. تم شطب البند التالي من الورقة، بما لا يتعارض مع مخطط عباس إحلال المجلس المركزي الفلسطيني المعين، والمنتهي الولاية منذ شباط/فبراير 1991، محل المجلس التشريعي المنتخب: "ضمان استئناف المجلس التشريعي لأعماله وفق القانون الأساسي".
الهيمنة على الأجهزة الأمنية
وفيما يتعلق بإبقاء وتعزيز هيمنة عباس على الأجهزة الأمنية، تم ادخال تعديلات من طراز:
1. شطب "يتم التوافق عليها" من الفقرة التي تنص على "تشكيل لجنة أمنية عليا (يتم التوافق عليها) يصدر الرئيس الفلسطيني مرسوماً بها، تتكون من ضباط مهنيين (حيث أضيفت أيضا كلمة "مهنيين" لينحصر تشكيل اللجنة من ضباط الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة) بالتوافق، وتمارس عملها تحت إشراف مصري وعربي لمتابعة وتنفيذ اتفاقية الوفاق الوطني في الضفة والقطاع، وتكون من بين مهامها (حيث تم استبدال كلمة مهمتها بكلمة مهامها من أجل اعطاء الأجهزة الأمنية للسلطة الحق في ممارسة مهام لم يتم التوافق عليها) رسم السياسات الأمنية والإشراف على تنفيذها في الضفة والقطاع (وقد شطبت كلمتا الضفة والقطاع من أجل حصر مهمة اللجنة فقط في قطاع غزة).
2. يتم إعادة بناء (شطبت كلمة "بناء" من أجل الإحتفاظ بالأجهزة الأمنية للسلطة كما هي) وهيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية بمساعدة مصرية وعربية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
3. الأمن الوطني هيئة عسكرية نظامية، تؤدي وظائفها وتباشر اختصاصاتها (تحت قيادة القائد العام (ما تم التوافق عليه هو بقيادة وزير الداخلية والأمن الوطني)، وهو الذي يصدر القرارات اللازمة لإدارة عملها وتنظيم شئونها كافة، وفقاً لأحكام القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه، (وذلك تحت قيادة القائد العام)، وقد شطبت الفقرة الأخيرة، لتحريك موضعها إلى وسط المادة، كما اسلفنا.
4. المخابرات العامة هيئة أمنية نظامية مستقلة تتبع الرئيس الفلسطيني (وهذا ما لم يتم التوافق عليه لجهة تبعية المخابرات العامة للرئيس) وتؤدي وظائفها وتباشر اختصاصاتها برئاسته وتحت قيادته، وهو الذي يصدر القرارات اللازمة لإدارة عملها وتنظيم شؤونها كافة.
5. تشكيل لجنة بالتوافق أو من خلال اللجنة المشتركة (وقد شطبت فقرة "بالتوافق أو من خلال اللجنة المشتركة) للإتصال وتوفير الإحتياجات المحددة.
6. وفيما يتعلق بمهام مجلس الأمن القومي، تم شطب فقرة كاملة نصها "تعتبر هذه المهام أعلاه غير قابلة للتعطيل باعتبارها اجماعا وطنيا تم التوافق عليه"، وعلى نحو يبيح لعباس تعطيل أي مهمة من المهمات المتوافق عليها لهذا المجلس.
نزع شرعية المقاومة
أما نزع الشرعية عن الأذرع المقاومة للفصائل الفلسطينية، فقد تم تعديل بند متوافق عليه من أجل ضمان ذلك.
أصل البند كان بالنص التالي "يحظر على الأجهزة الأمنية اقامة أي تشكيلات عسكرية خارج اطار الهيكل المقرر لكل جهاز أمني"، وقد أصبح بالنص التالي "يحظر إقامة أي تشكيلات عسكرية خارج إطار الهيكل المقرر لكل جهاز".
كذلك، فقد تم اقحام فقرة غير متوافق عليها تتيح وتشرعن التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. تنص هذه الفقرة التي أضيفت تحت عنوان "مهام جهاز المخابرات وفق قانون المخابرات العامة الفلسطينية" على "التعاون المشترك مع أجهزة الدول الصديقة المشابهة لمكافحة أية أعمال تهدد السلم والأمن المشترك، أو أي من مجالات الأمن الداخلي، شريطة المعاملة بالمثل".
وفيما يتعلق بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين لدى سلطة رام الله، وجلهم من حركة "حماس"، نصت الورقة على "بعد توقيع الإتفاقية، تستمر الجهود المبذولة بمشاركة مصرية لإغلاق ملف الإعتقالات نهائيا"، في حين أن حركة "حماس" التي كانت تصر على اطلاق سراح جميع المعتقلين قبل التوقيع، قدمت تنازلا يقضي بـ "انهاء ملفات المعتقلين المتعذر الإفراج عنهم حاليا خلال مدة اقصاها شهرين من توقيع الإتفاق".
وترى "حماس" أن النص الذي صيغ به هذا البند يهدف إلى عدم إطلاق المعتقلين، ما دام أمر اعتقالهم صادر عن الجنرال الأميركي كيث دايتون.